الشيخ الطبرسي

332

تفسير مجمع البيان

والعين ساكنة علن أطلائها * عوذا تأجل بالفضاء بهامها ( 1 ) أي تتأجل . وعطاء : منصوب بما دل الكلام عليه ، فكأنه قال : أعطاهم النعيم عطاء . المعنى : ثم أخبر سبحانه عن اليوم المشهود ، وهو يوم القيامة ، فقال : ( وما نؤخره ) أي : وما نؤخر هذا اليوم ( إلا لأجل معدود ) وهو أجل قد عده الله تعالى لعلمه أن صلاح الخلق في إدامة التكليف عليهم إلى ذلك الوقت . وفيه إشارة إلى قربه لأن ما يدخل تحت العد فكأن قد نفد . وإنما قال : ( لأجل ) ، ولم يقل : إلى أجل ، لأن اللام يدل على الغرض ، وان الحكمة اقتضت تأخيره وإلا ، لا يدل على ذلك ( يوم يأت ) أي حين يأتي القيامة والجزاء ( لا تكلم نفس إلا بإذنه ) أي : لا يتكلم أحد فيه إلا بإذن الله تعالى وأمره ، ومعناه : أنه لا يتكلم فيه إلا بالكلام الحسن المأذون فيه ، لأن الخلق ملجأون هناك إلى ترك القبائح ، فلا يقع منهم فعل القبيح . وأما ما هو غير قبيح ، فإنه مأذون فيه ، عن الجبائي . والأظهر أن يقال : معناه إنه لا يتكلم أحد في الآخرة بكلام نافع من شفاعة ووسيلة ، إلا بإذنه . فإن قيل : كيف يجمع بين هذه الآية وبين قوله : ( هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون ) ، وقوله : ( فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ) على أنه سبحانه قال في موضع آخر : ( وقفوهم إنهم مسؤولون ) ، وهل هذا إلا ظاهر التناقض ؟ فالجواب : إن يوم القيامة يشتمل على مواقف قد أذن لهم في الكلام في بعض تلك المواقف ، ولم يؤذن لهم في الكلام في بعضها ، عن الحسن . وقيل : إن معنى قوله ( لا ينطقون ) أنهم لا ينطقون لحجة ، وإنما يتكلمون بالإقرار بذنوبهم ، ولوم بعضهم بعضا ، وطرح بعضهم الذنوب على بعض . وهذا كما يقول القائل لمن تكلم بكلام كثير فارغ عن الحجة : ما تكلمت بشئ ، ولا نطقت بشئ . فسمي من يتكلم بما لا حجة فيه : غير متكلم ، كما قال سبحانه : ( صم بكم عمي ) وهم كانوا يسمعون ويتكلمون ويبصرون ، إلا أنهم في أنهم لا يقبلون الحق ، ولا يتأملون ، بمنزلة الصم البكم

--> ( 1 ) قائله لبيد في ( المعلقة ) قوله ( العين ) أي : واسعات العين . والطلا : ولد الوحش . والعوذ : الحديثات النتاج . والأجل : القطيع من بقر الوحش . والبهام : أولاد الضأن إذا انفردت . يقول : والبقر الواسعات العيون قد سكنت على أولادها ترضعها لكونها حديثات النتاج ، وأولادها تصير قطعا قطعا في الصحراء .